العاملي
386
الانتصار
ومع ذلك . . فإن مصرع الحسين كان نذيرا لدولة معاوية الأفاق ، وانهارت الدولة بعد ذلك بنصف قرن وسط أفراح الشعب . ظل الشعب يلعن يزيد بن معاوية وخلفاءه حتى سقطوا ، بل إن الشعب انتقم من قادة الجيش الأمويين شر انتقام ، فلقي أكثرهم مصرعه بعد أن استشهد الحسين على أيديهم ، وهو الإمام والقائد والزعيم السياسي المثالي لأمة العرب في ذلك الحين ، والرجل الذي قام برحلته الدامية إلى العراق ، وهو يعلم أن ألوف الجنود المرتزقة من جيش يزيد ، سوف تلحق به وتحول بينه وبين الاتصال بالشعب . وكان الحسين يعلم أنه يستشهد لا محالة ، هو وأهل بيته ، لكنه مضى في طريقه دون خوف أو تردد ، وتلك صفات الزعماء الحقيقيين للشعوب . طلبوا منه أن يسلم نفسه فأبى . . طلبوا منه البيعة ليزيد ، فرفض أن يبايع شابا فاسدا شريرا ، لا يصلح أن يقود أمة حديثة في طريقها الطويل . وامتشق سيفه ، وظل يقاتل جنود الشيطان يزيد ، خليفة المسلمين الذي فرضه أبوه معاوية فرضا على الأمة العربية . ولم يكن معه سوى العشرات من الرجال والنساء والأطفال ، كل جيشه كان يمكن لفصيلة من الجنود سحقها في لحظات . . لكن الجيش الصغير صمد أياما طويلة وقاتل بقيادة الحسين ببسالة عجيبة مذهلة ، لم يشهد تاريخ الشرق أو الغرب مثيلا لها . كان الحسين عطشان جائعا . . ورجاله يفتك بهم الظمأ مثله ، وأطفاله يصرخون في طلب جرعة ماء . . كان الحصار من حوله في كربلاء محكما جدا ، ألوف من جنود الشيطان يمنعون عنه وعن عياله الماء . . ! ومع ذلك قاتل وصمد ، ولم يترك سيفه ورمحه إلا بعد أن تمزق جسده بعديد من السيوف والحراب .